top of page

من سيكون قادة الصحة في المستقبل؟

قبل يوم واحد
3 دقيقة قراءة

تاريخ التحديث: قبل يوم واحد

من سيكون قادة الصحة في المستقبل؟

يمر العالم بإحدى أسرع فترات التغيير في التاريخ. وبينما كانت قوة الدول بالأمس تُقاس بمواردها الطبيعية وصناعتها وقدراتها العسكرية، تحدد المعرفة والتكنولوجيا والابتكار اليوم موازين القوة الجديدة. ويقع القطاع الصحي في صميم هذا التحول الكبير.

حتى وقت قريب، كان النجاح الصحي يُقيَّم ببناء مزيد من المستشفيات، أو امتلاك طاقة سريرية أكبر، أو القدرة على خدمة مزيد من المرضى. أما اليوم، فلا تكفي هذه المعايير وحدها.

لقد أصبح السؤال الحقيقي الآن:

ما الذي يجعل دولة ما رائدة حقًا في الصحة؟ هل هو مزيد من المستشفيات؟

أم مزيد من الأطباء؟

أم مزيد من المرضى الدوليين؟

أم القدرة على إنتاج المعرفة، والبحث العلمي، وتطوير التكنولوجيا، والكوادر المؤهلة، والثقة التي يشعر بها المجتمع؟

في رأيي، لن يكون قادة الصحة مستقبلًا دولًا تقدم العلاج فقط، بل دولًا تطور الأنظمة الصحية، وتنتج المعرفة، وتوجّه التكنولوجيا، وتعزز التعاون الدولي.

تعيد التطورات في الذكاء الاصطناعي والجراحة الروبوتية والمنصات الصحية الرقمية والتكنولوجيا الحيوية والطب الشخصي تعريف القطاع الصحي في السنوات الأخيرة. لكن أيًا من هذه التقنيات لا يكفي وحده لجعل دولة ما رائدة. إذ يمكن شراء التكنولوجيا، وبناء المستشفيات الحديثة، وتأمين أحدث الأجهزة الطبية. أما إنتاج المعرفة وبناء الثقة وإنشاء منظومة علمية وإعداد كوادر مؤهلة، فهو ثمرة رؤية تستمر سنوات طويلة.

وهنا بالتحديد تبدأ القيادة الحقيقية.

أظهرت الجائحة بوضوح أن الأنظمة الصحية ليست مجرد هياكل لعلاج الأمراض. فالأنظمة القوية من العناصر الأساسية أيضًا للاستقرار الاقتصادي والثقة المجتمعية والأمن الوطني والمكانة الدولية.

لا تنظر الدول الرائدة اليوم إلى الصحة بوصفها قطاع خدمات فحسب. بل تستثمر استراتيجيًا في التقنيات الصحية والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية والبحوث السريرية والحلول الصحية الرقمية. فقد أدركت أن المنافسة المستقبلية ستجري في الصحة أيضًا، لا في الاقتصاد وحده. وفي قلب هذه المنافسة توجد ثلاثة عناصر أساسية:

المعرفة والتكنولوجيا والثقة والإنسان.

المجتمعات التي لا تنتج المعرفة لا تستطيع تطوير التكنولوجيا. والدول التي لا تطور التكنولوجيا تتخلف في المنافسة العالمية. أما الأنظمة الصحية التي لا تبني الثقة، فلا تستطيع تحقيق نجاح مستدام.

لذلك، ستكون دول القيادة الصحية المستقبلية هي التي تدعم البحث العلمي، وتستطيع العمل بجامعاتها ومستشفياتها وشركاتها التقنية ومؤسساتها العامة نحو الهدف نفسه.

لم تعد القيادة الصحية تعني تقديم العلاج فقط. بل تعني تطوير أدوية جديدة، وإنتاج تقنيات صحية جديدة، وإدماج الذكاء الاصطناعي في الأنظمة الصحية بصورة صحيحة، وإدارة البيانات الصحية وفق المبادئ الأخلاقية، وإقامة تعاون دولي، والأهم بناء أنظمة صحية مستدامة تتمحور حول الإنسان.

وصلت تركيا إلى مستوى مهم بفضل استثماراتها في البنية الصحية وكوادرها المؤهلة ونجاحها في السياحة الصحية خلال السنوات الأخيرة. لكن ينبغي ألا يكون هدفنا التالي استقبال مزيد من المرضى الدوليين فقط.

يجب أن يكون هدفنا الأساسي أن نصبح دولة تطور التقنيات الصحية، وتنتج الحلول الصحية الرقمية، وتدعم البحث العلمي، وتعزز التعاون بين الجامعة والصناعة والقطاع العام، وتنتج معرفة صحية على المستوى الدولي.

تُقيِّم دول كثيرة اليوم نجاح أنظمتها الصحية بمؤشرات كمية، مثل عدد ملايين المرضى الذين يُفحصون سنويًا، أو العمليات المنفذة، أو المستشفيات المنشأة. لكن النجاح في أنظمة المستقبل لن يُقاس بإنتاج مزيد من الخدمات فقط.

فالنجاح الحقيقي هو بناء مجتمعات يقل فيها المرض، وتُدار الأمراض المزمنة بفاعلية أكبر، وتقوى الخدمات الوقائية، وترتفع جودة الحياة، وتنخفض وتيرة الحاجة إلى الخدمات الصحية. فالأنظمة الصحية القوية هي التي تبقي المجتمع معافى، إلى جانب علاج الأمراض.

سيكون قادة الصحة في المستقبل دولًا تستطيع تقليل الحاجة إلى المستشفيات، وليس دولًا تملؤها بالمرضى.

وإلى جانب العمل داخل حدودنا، يكتسب التعاون القوي مع الدول الصديقة والشقيقة أهمية كبيرة. فالبحوث المشتركة وبرامج التدريب المشتركة وتبادل المعرفة وتطوير التكنولوجيا خطوات استراتيجية تقوي المناطق أيضًا، لا البلدان وحدها.

مهما تطورت التكنولوجيا، سيظل الإنسان دائمًا في مركز الخدمات الصحية. يمكن للذكاء الاصطناعي دعم اتخاذ القرار، وللروبوتات المشاركة في الجراحة، وللأنظمة الرقمية تحليل ملايين البيانات. لكن الإنسان سيظل من يبني الثقة. فالصحة ليست علمًا فقط، بل هي ضمير والتزام بالقيم الأخلاقية ورحمة واحترام للإنسان.

 

لهذا، ستكون دول القيادة الصحية مستقبلًا هي التي تضع التكنولوجيا في خدمة الإنسان، لا قبله.

وفي النهاية، لن يكون قادة الصحة مستقبلًا هم الدول التي تبني مزيدًا من المستشفيات.

سيكون القادة دولًا تنتج معرفة أكثر، وتدعم البحث العلمي، وتطور التكنولوجيا، وتؤهل الكوادر، وتقيم تعاونًا دوليًا، وتبني الثقة. فالقيادة الصحية الحقيقية تعني إعداد عالم الغد من اليوم، إلى جانب تلبية احتياجات الحاضر. وربما آن الأوان أن يسأل كل منا نفسه:

هل سنكتفي بمتابعة الأنظمة الصحية المستقبلية، أم سنكون بين الدول التي تشكلها؟ ستكون الإجابة تعبيرًا عن رؤيتنا المشتركة في العلم والتكنولوجيا والموارد البشرية أيضًا، إلى جانب مستقبل القطاع الصحي. فالقيادة الصحية ممكنة بإظهار الشجاعة لبناء المستقبل من اليوم، لا بانتظاره.

 

Behlül Ünver — رئيس المنصة العالمية للسياحة الصحية

تعليقات


bottom of page