إنتاج القيمة في الصحة: مزيد من العلاج أم مزيد من الصحة؟
تاريخ التحديث: قبل يوم واحد

شهدت الأنظمة الصحية العالمية تحولًا كبيرًا خلال القرن الماضي. تطور علم الطب، وازداد متوسط العمر، وتوسعت المستشفيات، وتقدمت التقنيات الصحية بسرعة مذهلة. ويعيد الذكاء الاصطناعي والجراحة الروبوتية والمنصات الصحية الرقمية وتطبيقات الطب الشخصي تشكيل الخدمات الصحية.
ورغم أن جميع هذه التطورات مكاسب كبيرة للبشرية، فإن هناك سؤالًا جوهريًا للغاية يجب أن نطرحه على أنفسنا اليوم:
ما الغاية الحقيقية من الأنظمة الصحية؟
هل هي بناء مزيد من المستشفيات؟
أم علاج مزيد من المرضى؟
أم إجراء مزيد من العمليات الجراحية؟
أم تمكين الناس من عيش حياة أطول وأكثر صحة وسعادة؟
إن الفهم الأساسي الذي سيميز الأنظمة الصحية المستقبلية يكمن في الإجابة عن هذا السؤال.
تُقيَّم نجاحات الأنظمة الصحية اليوم في دول كثيرة بأعداد الفحوص السنوية، والعمليات الجراحية، والأجهزة المتقدمة المستخدمة، أو حجم الإنفاق الصحي. وبالطبع، جميعها مؤشرات مهمة، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات أن المجتمع يتمتع بصحة حقيقية.
فإنتاج مزيد من العلاج لا يعني دائمًا إنتاج مزيد من الصحة.
وبالفعل، بينما يزداد الإنفاق الصحي عالميًا كل عام، تستمر أيضًا زيادة السمنة والسكري وأمراض القلب والأوعية الدموية والسرطان ومشكلات الصحة النفسية. تتوسع المستشفيات وتتطور التقنيات وتتعدد الخيارات الدوائية، لكن سنوات الحياة الصحية لا تزداد بالسرعة نفسها.
وتذكرنا هذه الصورة بحقيقة مهمة.
«غاية الأنظمة الصحية ليست ملء المستشفيات، بل بناء مجتمعات يحتاج فيها الناس إلى المستشفيات بدرجة أقل.»
ويتطابق هذا الفهم تمامًا مع القيم الأساسية لحضارتنا.
فقول الشيخ أده بالي، الذي وجَّه فلسفة تأسيس الدولة العثمانية وتناقلته الألسن قرونًا: «أَحْيِ الإنسانَ لكي تحيا الدولة.» لا يعبر عن فهم لإدارة الدولة فحسب، بل عن جوهر السياسات الصحية أيضًا.
فإحياء الإنسان لا يعني علاجه فقط عندما يمرض.
بل يعني حمايته قبل المرض، ودعم حياته الصحية، وتحسين جودة حياته، وتعزيز عافيته النفسية والاجتماعية، وتقديم حياة مطمئنة له.
وربما لهذا السبب يوجد فرق عميق الدلالة بين كلمتَي «sağlık» (الصحة) و«sıhhat» (العافية) اللتين نستخدمهما في لغتنا التركية. فالعلاج يهدف إلى إزالة المرض، والصحة تعبر عن حالة الفرد من السلامة الجسدية والنفسية والاجتماعية.
أما العافية، فتتجاوز ذلك إلى حالة حياتية شاملة يكون فيها الإنسان متوازنًا جسديًا وروحيًا وذهنيًا، وقادرًا على العيش بطمأنينة.
وهكذا ستكون أنظمة المستقبل أنظمة تحمي عافية الإنسان وتنميها، إلى جانب علاج الأمراض.
يجب أن تصبح الخدمات الوقائية، والتغذية الصحية، والنشاط البدني المنتظم، ودعم الصحة النفسية، وتحسين العوامل البيئية، وتطبيقات التشخيص المبكر في قلب الأنظمة الصحية.
وستؤدي التكنولوجيا دورًا مهمًا في هذا التحول أيضًا. سيتمكن الذكاء الاصطناعي من تحديد المخاطر الصحية مسبقًا، والتنبؤ بالأمراض المزمنة قبل ظهورها، وتقديم توصيات حياتية شخصية، وزيادة فاعلية الخدمات الوقائية. لكن التكنولوجيا لن تكفي وحدها أبدًا، فالصحة ليست علمًا فقط. ومهما تطورت التكنولوجيا، يجب ألا نفقد القيم الإنسانية التي تشكل جوهر الخدمات الصحية. وسواء سميناها الصحة، أو العافية (wellness)، أو إطالة العمر، أو الشيخوخة الصحية، أو السياحة الصحية، فهناك حقيقة ثابتة في مركز جميع هذه المفاهيم: حماية عافية الإنسان وتنميتها. وهذا الفهم هو ما يمنح أنظمة المستقبل معناها. لذلك:
الصحة هي الثقة والأخلاق والعدل والضمير والرحمة، وفوق كل شيء احترام كرامة الإنسان.
ستكون أنظمة المستقبل هي التي تستخدم التكنولوجيا لكي يعيش الإنسان حياة أكثر صحة، لا التي تضع التكنولوجيا قبله.
ولا تنفصل السياحة الصحية عن هذا التغيير.
يسافر الناس اليوم غالبًا من أجل العلاج، لكن الخدمات الوقائية، والتقدم الصحي في العمر، والعافية، وإعادة التأهيل، والطب الوظيفي، وتطبيقات wellness وإطالة العمر، ستصبح في المستقبل القريب من أهم مكونات السياحة الصحية.
ويتيح هذا التحول فرصًا مهمة لتركيا أيضًا.
بفضل بنيتنا الصحية القوية، ومهنيينا الصحيين ذوي الخبرة، وميزتنا الجغرافية، ومواردنا الحرارية، وخبرتنا في السياحة الصحية، نملك القدرة على أن نكون بلدًا يعالج الأمراض وينتج الصحة أيضًا. فالمنافسة المستقبلية ستكون في تطوير أنظمة تتيح للناس حياة أكثر صحة، إلى جانب تقديم الخدمات الصحية.
وقد تجسد هذا الفهم، في الحقيقة، قبل قرون في قول السلطان سليم الأول ذي الدلالة:
«ليس بين الناس شيء معتبر كالدولة؛ وليس في العالم نعمة تضاهي نَفَسًا من العافية.»
ويذكرنا هذا القول بحقيقة بالغة الأهمية. فقوة الدولة ثمينة بالطبع، لكن صحة الإنسان وعافيته أعظم ثروة يمكن أن يملكها، وهي ما يقوي الدولة.
لقد آن الأوان لقياس نجاح الأنظمة الصحية بعدد الأشخاص الذين يستطيعون عيش حياة صحية ومطمئنة ومنتجة، إلى جانب عدد من تعالجهم. فأنجح الأنظمة المستقبلية لن تكون الأكثر إنتاجًا للعلاج، بل الأقدر على إنتاج الصحة والعافية.
وربما سيظل هذان القولان العظيمان، اللذان يرشدانا منذ قرون، أبلغ خلاصة للسياسات الصحية المستقبلية:
«أَحْيِ الإنسانَ لكي تحيا الدولة.»
«ليس في العالم نعمة تضاهي نَفَسًا من العافية.»
فالقيمة الحقيقية في الصحة هي القدرة على حماية صحة الإنسان وعافيته وجودة حياته، قبل علاج الأمراض.
المجتمعات القادرة على إحياء إنسانها تبني دولًا قوية. والدول القوية هي التي تقدم لإنسانها الصحة والعافية والأمل، إلى جانب العلاج.
Behlül Ünver
رئيس المنصة العالمية للسياحة الصحية






تعليقات