الدول التركية وتركيا: عهد جديد من الشراكة الاستراتيجية في الصحة
تاريخ التحديث: قبل يوم واحد

بدأت العلاقات بين الدول التركية وتركيا في السنوات الأخيرة تكتسب بُعدًا جديدًا، ليس في المجالات الثقافية والاقتصادية فحسب، بل في القطاع الصحي أيضًا. فالتاريخ والثقافة المشتركان، والتشابه في البنى المجتمعية، وتنامي العلاقات السياسية، تفتح الطريق أمام تعاون أقوى بكثير في مجال الصحة.
تقوم الدول التركية اليوم باستثمارات مهمة لتطوير بنيتها التحتية الصحية، وتعزيز كوادرها الصحية، والوصول إلى التقنيات الجديدة، وتقديم خدمات صحية وفق المعايير الدولية.
أما تركيا، فقد أصبحت بلدًا مرجعيًا مهمًا في منطقتها بفضل الخبرة التي اكتسبتها في الصحة خلال السنوات الأخيرة، وكوادرها المؤهلة، ومنشآتها الصحية الحديثة، ونجاحها في السياحة الصحية.
هذا التحول الهادئ الذي تشهده أرض أجدادنا والمناطق الشقيقة يزيد يومًا بعد يوم الحاجة إلى أنظمة صحية مندمجة مع العالم. وتوفر المعرفة والخبرة والقدرة المؤسسية التركية في الصحة نموذجًا يُحتذى، وأرضية قوية للتعاون وتطوير مشروعات مشتركة في الوقت نفسه.
بينما تحاول دول كثيرة في المنطقة بناء مستقبل جديد في الصحة، تتجه التطلعات بطبيعة الحال إلى تركيا. ولا ينبع الشعور بالقرب من تركيا في الدول التركية من العلاقات الدبلوماسية وحدها؛ فالتاريخ والثقافة المشتركان والروابط الوجدانية القوية تجعل إمكانات التعاون أكثر معنى.
لذلك، ينبغي ألا يُقيَّم التعاون بين تركيا والدول التركية في المرحلة المقبلة من منظور انتقال المرضى وحده.
يجب أن يكون الهدف الأساسي تطوير مشروعات صحية مشتركة، وتنظيم برامج لتدريب الأطباء والعاملين الصحيين، وإقامة تعاون أكاديمي بين الجامعات، والاستثمار المشترك في التقنيات الصحية، وتطوير التعاون في إنتاج الأدوية والأجهزة الطبية، ووضع نماذج تسهم في استدامة الأنظمة الصحية.
السياحة الصحية جزء مهم من هذا التعاون. لكن النجاح مستقبلًا لن يُقاس فقط بسفر المرضى من بلد إلى آخر، بل بالقدرة على إنتاج المعرفة، والاستثمار، والتدريب، وتطوير التكنولوجيا بصورة مشتركة.
ينبغي ألا تنظر الدول التركية بعضها إلى بعض بوصفها أسواقًا فحسب، بل أن تتحرك بروح إنتاج القيمة والتطور وتعزيز القوة معًا. فأكبر قوة لهذه المنطقة هي الثقة المستمدة من ماضيها المشترك والأمل في مستقبلها المشترك. وتشهد دول مثل أوزبكستان وكازاخستان وقيرغيزستان وأذربيجان وتركمانستان، بوجه خاص، تحولًا مهمًا في الصحة. وفي هذه العملية، لا يقتصر دور تركيا على تقديم الخدمات، بل يتمثل في أن تكون شريكًا استراتيجيًا يشارك المعرفة، وينقل الخبرة، وينتج القيمة بالتعاون مع الآخرين.
ينبغي دعم رؤية التعاون التي تطرحها منظمة الدول التركية بمشروعات أكثر تحديدًا في الصحة أيضًا. وستكون المؤتمرات الصحية المشتركة، ومراكز التقنيات الصحية، وشبكات الجامعات، والمنصات الصحية الرقمية، والاستثمارات الصحية الإقليمية من مجالات العمل المهمة في المرحلة المقبلة.
في ظل التحول الكبير الذي تمر به الأنظمة الصحية العالمية، يتيح التعاون الصحي بين الدول التركية وتركيا فرصًا مهمة على المستوى العالمي، وليس الإقليمي فقط.
وكما أعبّر في كل مناسبة مستشهدًا بقول مولانا جلال الدين الرومي: «يتفاهم الذين يتشاركون المشاعر نفسها، وليس الذين يتحدثون اللغة نفسها.»
لن يكون الهدف في المرحلة المقبلة النمو في السياحة الصحية فقط، بل بناء مستقبل مشترك في الصحة. فعندما نتحرك معًا، تزداد قوة المناطق أيضًا، لا البلدان وحدها.
إن التفكير المشترك والرؤية والأهداف المشتركة في الصحة توفر فرصة مهمة لمستقبل العالم التركي.
Behlül Ünver — رئيس المنصة العالمية للسياحة الصحية






تعليقات