الشراكات الدولية في السياحة الصحية: لكل سوق نهج مختلف
النموذج الجديد للسياحة الصحية – الجزء التاسع
تناولنا الأسبوع الماضي الدبلوماسية الصحية باعتبارها إحدى أهم القوى غير المرئية للسياحة الصحية. وقلنا إنها تبني التعاون بين الدول، والثقة والمستقبل المشترك أيضاً. لكن يبرز هنا سؤال مهم:
كيف سنقيم هذه الشراكات؟
التوسع الدولي في السياحة الصحية لا يعني تقديم الخدمة والرسالة والنموذج أنفسها لكل دولة في العالم. بل إن الطريق إلى العالمية يمر عبر الفهم الصحيح للاختلافات المحلية والإقليمية.
لا يصلح النهج نفسه لكل سوق في السياحة الصحية.
تختلف البلدان في أنظمتها الصحية ومستويات الدخل وبنية السكان وأنماط الأمراض والتأمين والثقافة والوصول إلى الخدمات الصحية وفترات الانتظار وتوقعات المرضى، بل حتى في سلوك شراء الخدمات الصحية. لذلك أرى أن على تركيا تطوير استراتيجيات للسياحة الصحية بحسب البلد والمنطقة، بدلاً من الاعتماد على استراتيجية واحدة.
السوق أولاً، ثم الاستراتيجية
من أكثر الأخطاء شيوعاً في السياحة الصحية الدولية إعداد المنتج أولاً، ثم البحث عن سوق له. بينما النهج الصحيح هو العكس: تحليل السوق أولاً. ما الخدمات الصحية المطلوبة؟ وإلى أي دول يسافر المرضى اليوم؟ ولماذا يختارونها؟ وأين تعاني بلدانهم من نقص في القدرة على تقديم الخدمات؟ وما العامل الأكثر تأثيراً: السعر أم الجودة أم مدة الانتظار أم التكنولوجيا أم الثقة؟ ومن يتخذ قرار المريض: المريض نفسه أم الطبيب أم شركة التأمين أم الجهة الوسيطة؟ من دون هذه المعرفة، قد لا تحقق أنشطة الترويج نتائج مستدامة حتى مع إنفاق ميزانيات كبيرة.
تقديم المنتج والرسالة والسياسة السعرية نفسها لكل سوق ليس استراتيجية عالمية، بل غياباً للاستراتيجية.
الجمهوريات الناطقة بالتركية: علاقة تتجاوز المرضى
النظر إلى الجمهوريات الناطقة بالتركية بوصفها أسواقاً لإرسال المرضى إلى تركيا فقط يعني خسارة فرصة كبيرة. فالتاريخ والثقافة المشتركان والتقارب اللغوي والثقة المتبادلة تتيح أساساً لتعاون أوسع بكثير.
إلى جانب حركة المرضى، توجد مجالات واسعة تشمل تدريب المهنيين الصحيين، والبرامج الأكاديمية المشتركة، وإدارة المستشفيات، والاستثمارات الصحية الجديدة، ومراكز إعادة التأهيل، وخدمات التصوير والتشخيص المتقدم، والبنية الرقمية للصحة، واستثمارات الأدوية والتكنولوجيا الطبية. لذلك ينبغي ألا يكون نهجنا تجاه هذه المنطقة مجرد: «أرسلوا مرضاكم إلى تركيا»، بل: «لنطور أنظمتنا الصحية معاً». أؤمن بأن ذلك سيُنشئ شراكة أكثر ديمومة.
الشرق الأوسط: الثقة والتجربة والقيمة العالية
نحتاج إلى نهج مختلف في الشرق الأوسط. فقد تكون تجربة المريض وأسرته، والخصوصية، واللغة، والتوافق الثقافي، والخدمة الشخصية، والثقة، عوامل أكثر قوة في القرار. تستطيع تركيا تقديم حزمة خدمات قوية في الجراحة المتقدمة والأورام وزراعة الأعضاء وإعادة التأهيل والفحوص الصحية والتجميل وطول العمر الصحي والحياة الصحية. لكن لا يصح تقديم تركيا هنا بوصفها «بلداً صحياً منخفض التكلفة» فقط. قد نمتلك ميزة سعرية، لكن السعر لا ينبغي أن يكون أساس علامتنا. وسيكون التموضع على أساس الجودة العالية والثقة والتجربة المميزة للمريض أكثر استدامة في هذه السوق.
أوروبا: القيمة قبل السعر
ينبغي أن يكون نهجنا تجاه أوروبا مختلفاً تماماً. فقد يعطي المريض الأوروبي أهمية أكبر لمعايير الجودة والنتائج السريرية والاعتماد وأمن البيانات واستمرارية العلاج والتكامل مع نظامه الصحي. ويمكن أن تشكل فترات الانتظار وخدمات الرأي الطبي الثاني وبعض العلاجات المتخصصة وإعادة التأهيل وصحة الأسنان والصحة الحرارية والعافية والشيخوخة الصحية فرصاً لتركيا. لكن التوجه إلى أوروبا برسالة «نحن أرخص» قد يضر بعلامة تركيا الصحية على المدى الطويل. الرسالة الصحيحة هي: «نقدم قيمة مماثلة أو أعلى، ببنية سريرية قوية وتجربة خدمة متكاملة».
أمريكا: بناء النموذج المناسب قبل استقطاب المرضى
أمريكا سوق أخرى تستحق اهتماماً خاصاً. فالولايات المتحدة من أكبر الاقتصادات الصحية وأكثرها تعقيداً في العالم. لذلك لا يصح دخولها بنهج السياحة الصحية التقليدي. قد يكون الأجدى لتركيا تطوير نماذج شراكة مع المؤسسات الصحية وشبكات الأطباء وآليات التأمين والدفع وبرامج صحة العاملين وأنظمة إحالة المرضى والجاليات وخدمات الرأي الثاني ومنصات الصحة الرقمية، بدلاً من الاكتفاء بالوصول إلى المريض الفرد. كما تشير المسافة الطويلة إلى ضرورة اختيار فئة المرضى ومجالات العلاج المناسبة، بدلاً من استقدام المرضى من أمريكا لكل علاج.
يمكن تطوير نماذج مختلفة للجراحات المعقدة والرأي الثاني والعلاجات المتخصصة والتشخيص المتقدم وبعض الإجراءات الاختيارية وإعادة التأهيل وبرامج الحياة الصحية. وينبغي ألا نفهم السياحة الصحية بوصفها قدوم المريض إلى تركيا وحده؛ فنقل معرفة تركيا الصحية وخبرة أطبائها وإدارة مستشفياتها وحلولها الصحية الرقمية إلى أمريكا شكل آخر لتصدير الخدمات الصحية.
ينبغي تقييم أمريكا اللاتينية بشكل مختلف أيضاً. فبسبب المسافة الجغرافية، قد تكون الشراكات المؤسسية في التعليم والتكنولوجيا والصحة الرقمية والتعاون الأكاديمي وبعض التخصصات نماذج أكثر واقعية من حركة المرضى وحدها.
أفريقيا: بناء القدرة الصحية إلى جانب استقبال المرضى
تمتلك أفريقيا إمكانات كبيرة جداً للسياحة الصحية. لكن رؤيتها بوصفها منطقة ترسل المرضى إلى تركيا فقط يظل نهجاً ناقصاً. ففي بعض البلدان، تتمثل الاحتياجات الأساسية في الوصول إلى الرعاية الصحية والكوادر المؤهلة وبنية التشخيص والقدرة على إدارة المستشفيات. تستطيع تركيا أداء دور أقوى بكثير عبر تدريب الأطباء والمهنيين الصحيين وتشغيل المستشفيات والصحة عن بُعد وبنى المختبرات والتصوير والاستثمارات الصحية ونقل التكنولوجيا، إلى جانب استقبال المرضى. ينبغي أن نتوجه إلى أفريقيا لبناء القدرة الصحية أيضاً. وسيعزز هذا النهج الدبلوماسية الصحية والعلاقات الاقتصادية طويلة الأمد.
البلقان: تحويل القرب إلى ميزة استراتيجية
تمتلك منطقة البلقان ميزة مختلفة بالنسبة إلى تركيا. فالقرب الجغرافي والعلاقات التاريخية وسهولة النقل والتواصل الثقافي قد تتيح حركة أسرع وأكثر استدامة للمرضى. لكن يمكن إنشاء تعاون بين الجامعات وبرامج تدريب مشتركة وتبادل للأطباء وأنظمة إحالة بين المؤسسات الصحية، إلى جانب استقبال المرضى. ينبغي النظر إلى القرب باعتباره تقارباً بين المنظومات الصحية، وليس مدة رحلة جوية فقط.
إذن ليست المسألة تحديد الأسواق التي تستطيع تركيا دخولها، بل تحديد القيمة التي سنقدمها ونموذج الشراكة المناسب لكل سوق.
تركيا واحدة، ومقاربات مختلفة
تقول لنا هذه الأمثلة الشيء نفسه: تمتلك تركيا بنية صحية قوية وأطباء مؤهلين ومستشفيات جيدة وقدرة سياحية وفندقية وخبرة في الإدارة الصحية وميزة جغرافية. لكن لا يمكن استخدام هذه المزايا بالطريقة نفسها في كل سوق. يمكننا الوصول إلى بلد بخدمات الأورام، وآخر بإعادة التأهيل، وثالث بالتعليم الصحي، وغيره بتشغيل المستشفيات، وآخر بالذكاء الاصطناعي وحلول الصحة الرقمية. بعض البلدان سوق للمرضى، وبعضها شريك استثماري أو أكاديمي أو تكنولوجي، وقد يجمع بعضها عدة أدوار معاً. وهنا تحديداً تبدأ الاستراتيجية.
من البروتوكول إلى النتيجة
عند الحديث عن التعاون الدولي، ينبغي الانتباه إلى أن توقيع عدد كبير من البروتوكولات لا يمثل نجاحاً في حد ذاته. يجب أن يكون للتعاون هدف قابل للقياس وخطة تنفيذ ومسؤولون ونموذج تمويل واستدامة. وإلا فلن يتجاوز مراسم التوقيع.
الدولة القوية في السياحة الصحية المستقبلية ستكون القادرة على بناء الشبكة الصحية المناسبة مع الشركاء المناسبين في السوق المناسبة، وليس التي تفعل كل شيء وحدها.
قلنا الأسبوع الماضي إن الدبلوماسية الصحية تبني الثقة بين الدول. وهذا الأسبوع نتقدم خطوة أخرى: لكي تتحول الثقة إلى قيمة اقتصادية واستراتيجية، نحتاج إلى تحليل صحيح للسوق ونهج مناسب واستراتيجية سليمة وشراكات صحيحة.
ينبغي ألا يكون هدف تركيا المقبل تقديم الرسالة نفسها عن تركيا في كل مكان. الهدف الحقيقي هو مطابقة نقاط قوة تركيا المختلفة مع الاحتياجات الفعلية لكل بلد ومنطقة. ولعل هذه هي الصيغة الجديدة للنجاح في السياحة الصحية العالمية:




تعليقات