المنافسة في السياحة الصحية: هل نربح بالسعر أم بالقيمة؟
النموذج الجديد للسياحة الصحية – الجزء الخامس
تناولنا الأسبوع الماضي بناء العلامة في السياحة الصحية، وقلنا إن العلامة الحقيقية تُبنى بالثقة والجودة والاستدامة، وليس بالإعلان وحده.
ولكن بعد بناء علامة قوية، كيف سنتميز في المنافسة الدولية؟ بأسعار أقل، أم بصناعة قيمة أعلى؟ لعل هذا هو السؤال الأهم في السياحة الصحية اليوم.
تمتعت تركيا لسنوات طويلة بميزة سعرية مهمة في السياحة الصحية. فبفضل بنيتنا الصحية القوية وكوادرنا المؤهلة وتوازن سعر الصرف، استطاع المرضى الدوليون الحصول على خدمات جيدة بتكاليف مناسبة. لكن التوازنات الاقتصادية بدأت تتغير في السنوات الأخيرة. نتيجة حركة الليرة التركية مقابل العملات الأجنبية وارتفاع تكاليف التشغيل ونفقات العاملين والتضخم العالمي، لم تعد تركيا تُرى «بلداً رخيصاً» كما كانت في الماضي. وفي رأيي، لا يمثل ذلك تهديداً؛ بل فرصة مهمة لانتقال تركيا إلى مرحلة جديدة في السياحة الصحية. إذ ينبغي أن نسأل أنفسنا الآن:
هل سنتنافس بالسعر أم بالقيمة؟
حين تقوم المنافسة في السياحة الصحية على السعر وحده، تصبح سباقاً بلا نهاية. فسيكون هناك دائماً بلد أو مؤسسة أو مقدم خدمة يستطيع تقديم سعر أقل منكم. قد تكسب المنافسة السعرية مرضى على المدى القصير، لكنها تفرض ضغطاً كبيراً على الجودة على المدى الطويل. تبدأ محاولات خفض التكاليف، وتتأثر الموارد البشرية، وقد تُؤجل الاستثمارات التكنولوجية وتضعف تجربة المريض. والأهم أن الخدمة الصحية تبدأ بعد مدة بفقدان القيمة التي تستحقها.
لكن الخدمة الصحية ليست منتجاً تجارياً عادياً. يمكنكم استبدال سيارة أو تجديد هاتف، أما الأخطاء في الصحة فكثيراً ما يتعذر تداركها.
لذلك، يكون الامتناع عن إجراء ما أحياناً قراراً أصوب بكثير من تنفيذه على نحو خاطئ. وإذا قُدمت خدمة صحية، فينبغي أن تُقدم باستطباب صحيح، وعلى يد الطبيب المناسب، وفي المركز المناسب، وبالطريقة المناسبة. فالنجاح في الصحة يُقاس بالنتائج الصحيحة، وليس بعدد الإجراءات.
نرى ذلك اليوم بوضوح أكبر في بعض المجالات.
تؤثر المنافسة السعرية غير المنضبطة في المؤسسات والقطاع بأكمله. تنخفض قيمة المؤسسات مع الوقت، وتصبح الخدمات متشابهة، وتضعف صورة الجودة، وتزداد الممارسات الخاطئة؛ ونتيجة لذلك تتضرر الثقة الدولية.
وعندما تتراجع الثقة، يبدأ المريض الدولي بالتوجه إلى بلدان بديلة.
وهكذا قد تتحول محاولة الفوز بالسعر إلى خسارة السوق على المدى الطويل. وهذا في الواقع أحد أكبر المخاطر في السياحة الصحية. فقيمة العلامة لا تنشأ في يوم واحد؛ بل تُبنى عبر سنوات، لكنها قد تضيع في وقت قصير جداً بسبب فهم خاطئ للمنافسة.
لا يسأل المرضى الدوليون اليوم عن السعر فقط. بل يسألون أيضاً: «ما خبرة الطبيب؟» و«كيف تُدار المضاعفات؟» و«هل سيستمر التواصل معي بعد العلاج؟» و«هل أستطيع الوثوق بهذا البلد؟» هذه كلها تمثل القيمة.
لا يشتري المريض عملية جراحية فقط؛ بل يشتري الثقة والتجربة والجودة والنتيجة. ولعل علينا التوجه إلى مجالات خدمات جديدة تحقق قيمة مضافة أعلى، بدلاً من محاولة تقديم الخدمة نفسها بسعر أقل.
لا تقتصر السياحة الصحية العالمية اليوم على زراعة الشعر أو جراحة التجميل أو علاج الأسنان. فهناك خدمات الصحة الوقائية، والطب الشخصي، وإعادة التأهيل، والعافية، وطول العمر الصحي، وصحة الرياضيين، والصحة الرقمية، والاستشارات الجينية، وبرامج رعاية كبار السن. أمامنا اقتصاد صحي أكبر بكثير.
إن المعرفة التي تمتلكها تركيا وكوادرها المؤهلة وميزتها الجغرافية قادرة على جعلها مركزاً عالمياً في هذه المجالات أيضاً.
«علينا الآن أن نغيّر فهمنا للمنافسة، وكذلك نظرتنا إلى السياحة الصحية.»
ينبغي أن نستهدف أن نكون البلد الذي ينتج أعلى قيمة، بدلاً من البلد الذي يقدم أرخص خدمة. فقد تجعلكم المنافسة السعرية فائزين اليوم، لكن المنافسة بالقيمة تجعلكم قادة الغد.
الهدف الحقيقي لتركيا في السياحة الصحية هو أن تصبح إحدى أكثر المنظومات الصحية موثوقية وجودة وإنتاجاً للقيمة المضافة في العالم، وليس أرخص بلد فيه. فما سيحدد مستقبل السياحة الصحية هو القيمة المنتجة، وليس قوائم الأسعار.
وهذه هي الرؤية التي ستُبنى عليها السياحة الصحية المستقبلية. ولعل الوقت قد حان لقياس النجاح بالقيمة التي نصنعها، لا بعدد المرضى فقط.
في مقالنا المقبل، سنتناول معاً ما تعنيه لائحة خدمات العافية التي نُشرت مؤخراً للسياحة الصحية في تركيا، والفرص الجديدة التي قد توفرها لبلدنا.




تعليقات