top of page

الاستقلال في الصحة: أن نكون دولة تنتج التكنولوجيا، لا تكتفي باستخدامها

قبل ساعتين
5 دقيقة قراءة

النموذج الجديد للسياحة الصحية – الجزء الثاني عشر

يمثل يوم 30 أغسطس أحد أقوى رموز إرادة الاستقلال في هذا البلد. وعندما نتحدث عن الاستقلال، نفكر غالباً في الحدود والدفاع والسيادة السياسية. لكن الاستقلال في عالم اليوم له أبعاد أخرى أيضاً: الاستقلال في الطاقة والغذاء والدفاع والتكنولوجيا. وهناك مجال آخر أرى أننا بحاجة إلى التفكير فيه أكثر بكثير: الاستقلال في الصحة.

تناولنا الأسبوع الماضي أن النظام الصحي المستقبلي لا يمكن بناؤه بمجرد إعداد مزيد من الأطباء والعاملين الصحيين؛ بل نحتاج إلى موارد بشرية جديدة تنتج المعرفة وتطور التكنولوجيا وتجمع التخصصات المختلفة في المنظومة الصحية. لنتقدم الآن بهذه الفكرة خطوة أخرى. فالنظام الصحي القوي لا يقوم على المستشفيات والأطباء الجيدين فقط؛ إنما تتحدد قوته الحقيقية أيضاً بقدرته على إنتاج التكنولوجيا والدواء والأجهزة الطبية والبرمجيات والمعرفة التي يستخدمها.

الاعتماد على الخارج في الصحة ليس مسألة اقتصادية فقط

تكفي جولة قصيرة داخل مستشفى لندرك حجم المنظومة التكنولوجية التي نتحدث عنها: أجهزة الرنين المغناطيسي، والتصوير المقطعي المحوسب، ومنصات الجراحة الروبوتية، وأجهزة المختبرات، ومعدات العناية المركزة، والغرسات، والأدوية، ومنتجات التكنولوجيا الحيوية، وبرمجيات الذكاء الاصطناعي، وأنظمة معلومات المرضى، وتقنيات التحليل الجيني. لقد أصبحت الصحة متداخلة مع التكنولوجيا المتقدمة. لذلك، إذا اضطررتم إلى استيراد جزء كبير من تقنياتكم الصحية، فلا تتعلق المسألة بفاتورة الاستيراد وحدها، بل باستدامة نظامكم الصحي وقدرته على الصمود في الأزمات ومرونته الاستراتيجية.

أظهرت الجائحة ذلك بوضوح للعالم. فامتلاك المال لا يعني دائماً القدرة على الحصول على المنتج. أحياناً يحتاج الجميع في العالم إلى المنتج نفسه في الوقت نفسه. عندئذ تتحول القدرة الإنتاجية إلى قوة استراتيجية.

بناء المستشفيات وحده لا يكفي

حققت تركيا في السنوات الأخيرة قدرة مهمة في البنية الصحية. لدينا مستشفيات حديثة وأطباء مؤهلون وإمكانات علاج متقدمة وخبرة قوية في تقديم الخدمات الصحية. لكن علينا في المرحلة المقبلة أن نسأل:

ما نسبة التكنولوجيا الموجودة داخل هذه المستشفيات التي ننتجها بأنفسنا؟

لا تصبح الدولة دولة تكنولوجيا صحية بمجرد بناء المستشفيات. المسألة الأساسية هي تطوير الأجهزة داخلها، وإنتاج برمجياتها، وتحليل بياناتها، وإنشاء خوارزميات الذكاء الاصطناعي، وإجراء بحوث الأدوية التي تستخدمها، وتطوير منتجات التكنولوجيا الحيوية، والقدرة عند الحاجة على تصدير هذه الأنظمة إلى دول أخرى.

أرى أن هدفنا الجديد في الصحة ينبغي أن يتوسع الآن من إنتاج الخدمات إلى إنتاج التكنولوجيا.

الدرس الذي يمكن أن نتعلمه من الصناعات الدفاعية

تحدثنا الأسبوع الماضي عن التحول في الصناعات الدفاعية، وعن جيل جديد من الشباب والموارد البشرية والقدوات نشأ مع هذا التحول. لا تقتصر النقطة المهمة على المنتجات التي ظهرت؛ فقد نشأت منظومة، وتأهل مهندسون، وتأسست شركات جديدة، واتجهت الجامعات إلى هذه المجالات، وزاد اهتمام الشباب، وتطورت ريادة الأعمال. واتضح أن تقنيات كنا نشتريها من الخارج يمكن تطويرها الآن في تركيا.

نحتاج إلى تحول مماثل في التفكير الصحي. لماذا لا يكون أحد أنظمة الجراحة الروبوتية المستخدمة عالمياً من تطوير تركيا؟ ولماذا لا يطور المهندسون الأتراك تقنيات التصوير الجديدة؟ ولماذا لا تنشئ تركيا علامات عالمية في أنظمة التشخيص المدعومة بالذكاء الاصطناعي؟ ولماذا لا تصبح الشركات التركية مؤثرة عالمياً في التكنولوجيا الحيوية والجينوميات والطب الشخصي؟ ولماذا لا تُطور جزيئات دوائية جديدة وأجهزة طبية ومنصات صحة رقمية في هذه المنطقة؟ لا يستطيع القطاع الصحي وحده إنجاز أي من ذلك.

حيث يلتقي الطبيب بالمهندس

لعل هذه النقطة هي الأهم في التكنولوجيا الصحية المستقبلية. يعرف الطبيب مشكلة المريض، ويعرف المهندس التكنولوجيا، ويستطيع عالم البيانات قراءتها، ويستطيع المطور تحويل الحل إلى تطبيق رقمي. ويفهم عالم الأحياء والاختصاصي الجيني آليات المرض الجزيئية، بينما يستطيع المدير الصحي تحويل هذه القدرات كلها إلى نموذج مستدام. لكل منهم قيمة منفردة، لكن الابتكار الحقيقي يظهر حين يجلسون إلى الطاولة نفسها. أرى أن على الجامعات والمؤسسات الصحية في تركيا إنشاء مزيد من هذه البنى متعددة التخصصات.

ينبغي ألا تكون كليات الطب مؤسسات تُعد الأطباء فقط، بل أن تتحول إلى مراكز تطور المنتجات والتكنولوجيا بالتعاون مع كليات الهندسة وعلوم الحاسوب والصيدلة والتكنولوجيا الحيوية وإدارة الأعمال والإدارة الصحية.

مهمة الجامعة لا تقتصر على تخريج الطلاب

علينا هنا إعادة التفكير في دور الجامعات. لا يمكن قياس نجاح الجامعة بعدد خريجيها فقط. كم براءة اختراع أنتجت؟ وكم تقنية صحية طورت؟ وكم بحثاً أكاديمياً حولته إلى منتج؟ وكم مشروعاً ناشئاً خرج منها؟ وفي كم شبكة بحث دولية شاركت؟ وكم تقنية وضعتها في خدمة النظام الصحي؟ علينا أن نسأل هذه الأسئلة أيضاً. فجامعة المستقبل ستنقل المعرفة، وتحولها كذلك إلى منتجات وتكنولوجيا وقيمة اقتصادية.

الأدوية والتكنولوجيا الحيوية مجال استراتيجي مستقل

الدواء أحد أهم محاور الاستقلال الصحي. وستشكل الأدوية الحيوية واللقاحات والعلاجات الشخصية ومنتجات العلاج المتقدم جزءاً أكبر بكثير من اقتصاد الصحة في السنوات المقبلة. ينبغي ألا تكتفي تركيا بقدرة إنتاج الأدوية الجنيسة أو التعبئة والتغليف، بل عليها توسيع قدراتها في البحث والتطوير، وتطوير الجزيئات، والبحوث السريرية، والإنتاج الحيوي، والترخيص الدولي. القوة الصحية الحقيقية للدولة تتمثل في الوصول إلى الدواء، وكذلك في تطويره وإنتاجه عند الحاجة.

من يملك البيانات؟

البيانات الصحية مجال استراتيجي آخر في المرحلة الجديدة. ففي عالم يتطور فيه الذكاء الاصطناعي الصحي بسرعة، لم تعد البيانات مجرد سجلات للمستشفى؛ إنها تنتج المعرفة والبحث والتكنولوجيا والقيمة الاقتصادية. تمتلك تركيا نظاماً صحياً كبيراً يخدم ملايين المرضى، وإمكانات مهمة من البيانات السريرية. وإذا أدرناها على نحو صحيح، دون التنازل عن خصوصية المرضى أو المبادئ الأخلاقية، استطعنا تحويلها إلى ميزة كبيرة في الذكاء الاصطناعي والتقنيات الصحية. أما الاكتفاء بتطوير تقنيات دول أخرى اعتماداً على بياناتنا، فيعني تفويت جزء مهم من الفرصة. علينا أن نحمي بياناتنا وأن ننتج المعرفة والتكنولوجيا بأنفسنا أيضاً.

تزداد أهمية المسألة في السياحة الصحية

إذا أردنا قوة عالمية في السياحة الصحية، فقد لا يكفي تقديم علاج جيد على المدى الطويل. ستتجه المنافسة بين الدول إلى أسئلة مثل: من يطور التكنولوجيا الأفضل؟ ومن يقدم العلاج الشخصي؟ ومن يدمج الذكاء الاصطناعي في النظام الصحي على أفضل وجه؟ ومن يبني قدرته الدوائية والحيوية الخاصة؟ ومن يدير بيانات المرضى بأمان؟ ومن يُعد المهنيين الصحيين للمستقبل بصورة أفضل؟ ينبغي أن تتنافس تركيا بميزة الخدمات، وبميزة المعرفة والتكنولوجيا على نحو متزايد. ولنذهب أبعد: ينبغي أن يتمكن المريض الدولي القادم إلى تركيا من الاستفادة من علاج الطبيب التركي، وكذلك من التكنولوجيا الصحية والبرمجيات والأجهزة الطبية المطورة في تركيا، وربما مستقبلاً من الدواء المطور فيها. عندها ستبلغ القيمة الاقتصادية للسياحة الصحية مستوى مختلفاً تماماً.

الاستقلال الصحي لا يعني الانغلاق على العالم

علينا التمييز هنا. فالاستقلال الصحي لا يعني الانفصال عن العالم أو فعل كل شيء وحدنا. يتطور العلم أصلاً عبر الحدود. سنستفيد من معرفة الشرق والغرب، ونعمل مع الجامعات الدولية، ونجري بحوثاً مشتركة، ونطور شراكات مع الشركات العالمية، ويعمل علماؤنا مع المراكز في أنحاء العالم. لكن علينا ألا نكون فقط الطرف الذي يشتري التكنولوجيا أو يستهلك المعرفة. قد تقتصر قيمة خدمة صحية على رحلة مريض واحد، أما التكنولوجيا المستخدمة فيها فيمكن تصديرها إلى مئات المستشفيات عالمياً، لتنتج قيمة أكبر بكثير وأكثر استدامة.

ينبغي أن نكون من الأطراف التي تأتي إلى الطاولة بالمعرفة والتكنولوجيا والمنتج. لعل هذا هو الاستقلال الحقيقي: الاندماج القوي مع العالم مع تطوير قدرتكم الإنتاجية الخاصة. يذكرنا 30 أغسطس بالإرادة الكبيرة التي يحتاج إليها الاستقلال. والعلم والتكنولوجيا من الجبهات الجديدة لهذه الإرادة في عالم اليوم. رأينا أننا قادرون على ذلك في الدفاع، وخطونا أولى خطواتنا في الفضاء، وينشأ جيل جديد في التقنيات الرقمية. فلماذا لا نفعل ذلك في الصحة؟

لماذا لا تكون تركيا بلداً يأتي إليه العالم للعلاج، وبلداً ينتج المعرفة الصحية والدواء والأجهزة والتكنولوجيا أيضاً؟ ولعل إحدى طرق حمل فكرة الاستقلال التي ورّثنا إياها 30 أغسطس إلى المستقبل هي تحديداً:

تركيا تنتج في الصحة، ولا تكتفي بالاستخدام.

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل

تعليقات


bottom of page