top of page

سياحة السبا والعافية: استهلاك فاخر أم اقتصاد صحي جديد؟

قبل 40 دقيقة
4 دقيقة قراءة

هل تستطيع تركيا تحويل خدمات العافية من أنشطة فندقية إلى منتج صحي علمي وقابل للقياس ومتكامل؟

Behlül Ünver — رئيس منصة السياحة الصحية العالمية

عند الحديث عن السياحة الصحية، تتبادر غالباً إلى الذهن الجراحات والعلاجات المتقدمة وصحة الأسنان والإجراءات التجميلية والمستشفيات. أما السبا والعافية فلا يزالان يُنظر إليهما كثيراً باعتبارهما خدمات تدليك وعناية وراحة واسترخاء تقدم داخل الفنادق.

لكن مفهوم الصحة يتغير في العالم.

لم يعد الناس يريدون العلاج عند المرض فقط. إنهم يريدون حياة أكثر صحة، والابتعاد عن التوتر، وتحسين النوم، والتغذية السليمة، والحفاظ على قدراتهم البدنية والذهنية. ويحول هذا التغيير مفهوم العافية من خدمة مكملة للسياحة إلى أحد المجالات المهمة للاقتصاد الصحي الجديد.

وفقاً لبيانات معهد العافية العالمي، بلغ اقتصاد العافية العالمي 6.8 تريليون دولار عام 2024. واحتلت تركيا المرتبة السادسة عشرة عالمياً باقتصاد عافية قدره 73 مليار دولار. لكن يجب التمييز بين أمرين: ارتفاع الإنفاق على العافية في بلد ما لا يعني أنه يمتلك علامة عالمية قوية في سياحة العافية.

ومن هنا يبدأ السؤال الحقيقي لتركيا:

هل نستطيع تحويل إمكاناتنا إلى منتج موثوق ومستدام لسياحة العافية، يفضله الناس على المستوى الدولي؟

العافية ليست مجرد شعور جيد

لم يعد تعريف العافية من خلال التدليك والعناية بالبشرة والساونا والراحة وحدها كافياً.

يتناول النهج الجديد للعافية صحة النوم والتغذية الصحية والنشاط البدني والصحة النفسية وإدارة التوتر والتواصل مع الطبيعة وعادات الحياة معاً. وينبغي أن يكون الهدف منح الضيف نمطاً صحياً يستطيع نقله إلى حياته، لا بضع ساعات من الاسترخاء فقط.

تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن قلة النشاط البدني تشكل عامل خطر مهماً لأمراض القلب والأوعية الدموية والسكري وبعض أنواع السرطان. وعدم بلوغ نحو ثلث البالغين عالمياً المستوى الموصى به من النشاط البدني يوضح أيضاً سبب توجه الناس أكثر إلى برامج الوقاية ونمط الحياة.

لذلك ينبغي تصميم مراكز العافية المستقبلية كمراكز تكسب الناس عادات حياة صحية، وليس كمنشآت تقدم خدمات فحسب.

من الخدمة الفندقية إلى البرنامج الشامل

تضم تركيا فنادق ومراكز سبا ومنشآت حرارية ومؤسسات صحية كثيرة عالية الجودة، لكن معظمها يعمل بصورة مستقلة.

يقدم الفندق الإقامة والسبا، وتقدم المؤسسة الصحية الفحوص والدعم الطبي، ويضع اختصاصي التغذية برنامجاً شخصياً، ويخطط المركز الرياضي للنشاط البدني. لكن الأنظمة التي تجمع جميع احتياجات الضيف في رحلة واحدة لم تنتشر بما يكفي بعد.

ويمكن أن يتكون برنامج دولي للعافية من المراحل التالية:

يمكن تقييم توقعات الفرد وعاداته قبل بدء السفر. وبعد وصوله، تُجرى التقييمات الصحية الأساسية ضمن حدود صلاحيات ومسؤوليات المهنيين الصحيين. وتُجمع التغذية والحركة والنوم والصحة النفسية وتطبيقات السبا وأنشطة الطبيعة في برنامج مناسب للفرد. وبعد عودته إلى بلده، يمكن ضمان استمرار البرنامج بالمتابعة والاستشارة الرقمية.

يمكن لهذا النموذج أن يحول تركيا من «بلد يُزار للراحة» إلى «بلد يُفضَّل لتعلم العيش بصورة أكثر صحة».

ينبغي ألا تُحوَّل العافية إلى علاج طبي، ولا أن تُفصل عن العلم

هناك توازن مهم يجب مراعاته.

ليس صحيحاً تقديم جميع خدمات العافية كعلاج طبي. فتحويل حاجة الإنسان السليم للراحة والحركة والتغذية والصحة النفسية إلى مسألة طبية عبر فحوص غير ضرورية أو ادعاءات صحية مبالغ فيها قد يخلق مشكلات أخلاقية ومشكلات ثقة خطيرة. وفي المقابل، ليس صحيحاً ترك العافية لممارسات بعيدة عن الأساس العلمي وغير خاضعة للرقابة ومجهولة النتائج.

يجب تحديد الخدمات التي يقدمها المهني الصحي، وتلك التي يقدمها خبير السياحة أو العافية بوضوح. ويجب مراقبة سلامة الأساليب وكفاءة مقدمي الخدمة ومعايير جودة المنشآت. وينبغي تجنب الوعود غير الواقعية والحفاظ على الحد الفاصل بين العافية وعلاج الأمراض.

ستحدد هذه الشفافية وهذه المقاربة الأخلاقية الثقة بسياحة العافية في تركيا، قبل المنشآت المبهرة.

تمتلك تركيا قصة قوية

تركيا من البلدان القليلة القادرة على جمع إمكانات تمتلكها بلدان كثيرة بصورة منفصلة، ضمن جغرافيا واحدة في سياحة العافية.

تُعد السياحة البحرية والساحلية والغابات والهضاب ومسارات المشي والموارد الحرارية وثقافة الحمام التقليدية والمطبخ الصحي والبنية القوية للإقامة والخدمات الصحية المتطورة مزايا مهمة. وعند الجمع بين قدرة إسطنبول على النقل الدولي وثقافات الحياة المتنوعة في إيجة والمتوسط وكبادوكيا والبحر الأسود والأناضول، يمكن أن تصبح تركيا وجهة متعددة المراكز للعافية. لكن امتلاك الموارد وحده لا يكفي.

ما يصنع علامة البلد هو تعريف قيمه وتوحيد معاييرها وتقديمها للعالم كمنتج مفهوم. وينبغي أن تتموضع مناطق تركيا المختلفة ببرامج عافية تلائم خصائصها الطبيعية والثقافية، لا بمراكز سبا متطابقة.

يمكن تطوير برامج للتغذية الصحية والحركة والحياة الساحلية في إيجة؛ وللطبيعة والتنفس والتجدد النفسي في البحر الأسود؛ وللهدوء والتوازن الداخلي في كبادوكيا؛ وبرامج آمنة تدعم التأهيل في المناطق الحرارية؛ وبرامج قصيرة لإدارة التوتر والنوم والتجدد تناسب الحياة الحضرية في إسطنبول. وهكذا تصبح سياحة العافية نموذجاً ينتشر في مناطق تركيا المختلفة ويولد الدخل طوال العام، بدلاً من الاقتصار على مدن محددة وأشهر الصيف.

لا ينبغي قياس النجاح بعدد الغرف

إذا قسنا نجاح سياحة العافية فقط بعدد السياح ومدة الإقامة وإشغال المنشآت، فستبقى الصورة ناقصة. القيمة الحقيقية هي ما يكتسبه الضيف عند نهاية البرنامج. هل تحسن نومه؟ هل زاد نشاطه البدني؟ هل اكتسب عادات غذائية صحية؟ هل يستطيع إدارة التوتر بصورة أفضل؟ هل يستطيع مواصلة البرنامج بعد العودة؟ هل يريد زيارة تركيا مجدداً أو التوصية بتجربته للآخرين؟

ستتحول المنشآت القادرة على قياس إجابات هذه الأسئلة من شركات تبيع الخدمات إلى علامات عافية موثوقة.

لا تعني قابلية القياس تحويل خدمات العافية إلى علاج. بل تجعل هدف البرنامج وحدوده والقيمة التي ينتجها أكثر شفافية.

ينبغي أن تقوم المنافسة على القيمة المنتجة لا على السعر وحده

سيكون التنافس بالسعر المنخفض وحده خطأ استراتيجياً لتركيا في سياحة العافية، لأن الميزة السعرية يمكن فقدانها بسهولة. فقد يقدم بلد آخر باقات أرخص، أو يفتح منشأة جديدة، أو ينفق أكثر على الترويج. أما القدرة التنافسية المستدامة فتُبنى بخدمة موثوقة وكوادر مؤهلة وبرامج شخصية وتجربة قوية وعلاقة تستمر بعد السفر.

ينبغي أن تستفيد تركيا جيداً من المساحة بين الفندق والمستشفى. فلا تُترك بالكامل للسياحة أو للمؤسسات الصحية وحدها. يجب أن تعمل الفنادق والمؤسسات الصحية والجامعات واختصاصيو التغذية والعلاج الطبيعي وعلم النفس والرياضة وشركات التكنولوجيا ووكالات السفر ضمن نموذج مشترك. وفي الترويج الدولي، ينبغي إبراز برامج قوية وواضحة لاحتياجات محددة، بدلاً من صورة «البلد الذي يقدم كل خدمة للجميع».

أي نموذج للعافية ستبنيه تركيا؟

أمام تركيا طريقان مختلفان.

الأول هو حصر السبا والعافية في خدمات قليلة تضاف إلى الباقات الفندقية. وقد يحقق هذا دخلاً قصير الأجل، لكنه لن يميز تركيا في المنافسة العالمية للعافية.

والثاني هو جمع مواردنا الطبيعية وبنيتنا الصحية وقدرتنا على الإقامة وفن الطهو وكوادرنا تحت استراتيجية مشتركة. وفي هذا النموذج، يُقدم للضيف مسار عافية آمن وشخصي ومستدام، يتجاوز الإقامة أو العناية وحدها.

لا تحتاج تركيا إلى افتتاح مزيد من منشآت السبا بقدر حاجتها إلى تطوير نموذج للعافية خاص بتركيا.

لن تبيع سياحة العافية المستقبلية للإنسان بضعة أيام من الراحة فحسب؛ بل ستقدم له رحلة يعيد فيها تقييم جسده وذهنه وعادات حياته.

إذا قرأت تركيا هذا التحول بصورة صحيحة، فيمكن أن تصبح مركزاً عالمياً يختاره الناس لتعلم الحياة الأكثر صحة، إضافة إلى كونها بلداً يقصدونه للعلاج.

تعليقات


bottom of page